فخر الدين الرازي

19

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الوطء عبارة عن تجاور الأجسام وتلاصقها ، والضم الحاصل في العقد ليس كذلك لأن الإيجاب والقبول أصوات غير باقية ، فمعنى الضم والتلاقي والتجاور فيها محال ، وإذا كان كذلك ثبت أنه ليس بين الوطء وبين العقد مفهوم مشترك حتى يقال : إن لفظ النكاح حقيقة فيه ، فإذا بطل ذلك لم يبق إلا أن يقال : لفظ النكاح مشترك بين الوطء وبين العقد ، ويقال : إنه حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر ، وحينئذ يرجع الكلام إلى الوجهين الأولين ، فهذا هو الكلام الملخص في هذا . الوجه الثاني : في الجواب عن هذا الاستدلال أن نقول : سلمنا أن النكاح بمعنى الوطء ، ولكن لم قلتم : إن قوله : ما نَكَحَ آباؤُكُمْ المراد منه المنكوحة ، والدليل عليه إجماعهم على أن لفظه « ما » حقيقة في غير العقلاء ، فلو كان المراد منه هاهنا المنكوحة لزم هذا المجاز ، وإنه خلاف الأصل ، بل أهل العربية اتفقوا على أن « ما » مع بعدها في تقدير المصدر ، فتقدير الآية : ولا تنكحوا نكاح آبائكم ، وعلى هذا يكون المراد منه النهي عن أن تنكحوا نكاحا مثل نكاح آبائكم ، فان أنكحتهم كانت بغير ولي ولا شهود ، وكانت موقتة ، وكانت على سبيل القهر والإلجاء ، فاللَّه تعالى نهاهم بهذه الآية عن مثل هذه الأنكحة ، وهذا الوجه منقول عن محمد بن جرير الطبري في تفسير هذه الآية . الوجه الثالث : في الجواب عن هذا الاستدلال : سلمنا أن المراد من قوله : ما نَكَحَ آباؤُكُمْ المنكوحة ، والتقدير : ولا تنكحوا من نكح آباؤكم ولكن قوله : من نكح آباؤكم ليس صريحا في العموم بدليل أنه يصح إدخال لفظي الكل والبعض عليه ، فيقال : ولا تنكحوا كل ما نكح آباؤكم ولا تنكحوا بعض من نكح آباؤكم ، ولو كان هذا صريحا في العموم لكان إدخال لفظ / الكل عليه تكريرا ، وإدخال لفظ البعض عليه نقصا ، ومعلوم أنه ليس كذلك ، فثبت أن قوله : وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ لا يفيد العموم ، وإذا لم يفد العموم لم يتناول محل النزاع . لا يقال : لو لم يفد العموم لم يكن صرفه إلى بعض الأقسام أولى من صرفه إلى الباقي ، فحينئذ يصير مجملا غير مفيد ، والأصل أن لا يكون كذلك . لأنا نقول : لا نسلم أن بتقدير أن لا يفيد العموم لم يكن صرفه إلى البعض أولى من صرفه إلى غيره ، وذلك لأن المفسرين أجمعوا على أن سبب نزوله إنما هو التزوج بزوجات الآباء ، فكان صرفه إلى هذا القسم أولى ، وبهذا التقدير لا يلزم كون الآية مجملة ، ولا يلزم كونها متناولة لمحل النزاع . الوجه الرابع : سلمنا أن هذا النهي يتناول محل النزاع ، لكن لم قلتم : إنه يفيد التحريم ؟ أليس أن كثيرا من أقسام النهي لا يفيد التحريم ، بل يفيد التنزيه ، فلم قلتم : إنه ليس الأمر كذلك ؟ أقصى ما في الباب أن يقال : هذا على خلاف الأصل ، ولكن يجب المصير إليه إذا دل الدليل ، وسنذكر دلائل صحة هذا النكاح إن شاء اللَّه تعالى . الوجه الخامس : أن ما ذكرتم هب أنه يدل على فساد هذا النكاح ، إلا أن هاهنا ما يدل على صحة هذا النكاح وهو من وجوه : الحجة الأولى : هذا النكاح منعقد فوجب أن يكون صحيحا ، بيان أنه منعقد أنه عند أبي حنيفة رضي اللَّه